السيد نعمة الله الجزائري
355
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
وسبحانا ، فمعنى سبحان اللّه تنزيه اللّه وهو نصب على المصدر بفعل مضمر كأنه قال أبرأ اللّه من السوء براءة ، وقيل معناه التسرع إليه والخفة في طاعته ، وقيل معناه السرعة إلى هذه اللفظة ، وقد يطلق التسبيح على غيره من أنواع الذكر مجازا كالتحميد والتمجيد وغيرهما ، انتهى ، وهو مضاف إما إلى المفعول وهو المشهور ومعناه أسبحك وأنزهك عما لا يليق بذاتك ولا بصفاتك ، أو إلى الفاعل أي التسبيح والتنزيه الذي نزهت به ذاتك ، كما قال صلّى اللّه عليه واله وسلّم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، والمراد به ما علّمه الأنبياء أو ما أجراه على السنة جميع العباد أو ما ورد في الأخبار من أنه يخلق كل ليلة أو كل ليلة جمعة صوتا في الملكوت تقدسه وتمجده بما يليق به من المحامد حتى الصباح ، أو يكون كما قيل عبارة عن بسطه بساط الوجود على ما لا يتناهى من المخلوقات فإن كل ذرة من ذرات الوجود السنة متكثرة تنبىء عليه شاهدة له بالصنع والوحدة والتفرد بصفات الكمال ، وفي كلام مولانا الصادق عليه السّلام . فيا عجبا كيف تعصي الإله * أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد واللهم أصله يا اللّه عوضوا الميم المشددة عن أداة النداء وقد سبق تحقيقه ، واعلم أن هذه الكلمة أعني قوله عليه السّلام سبحانك اللهم هي الكلمة الطيبة الجارية على لسان أهل الجنة ، قال عز شأنه : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ، أي دعوى المؤمنين في الجنة وذكرهم فيها أن يقولوا سبحانك اللهم لا على وجه العبادة لأنه ليس هناك تكليف بل يتلذذون بالتسبيح ، وقيل : إنه إذا مر بهم الطير في الهواء يشتهونه قالوا سبحانك اللهم فيأتيهم الطير فيقع مشويا بين أيديهم ، وإذا قضوا منه الشهوة قالوا الحمد للّه رب العالمين ، كما قال عز شأنه وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فيطير الطير حيا كما كان ، فيكون مفتتح كلامهم في كل شيء التسبيح ومختتم كلامهم التحميد ، ويكون التسبيح بدل التسمية في الدنيا ، وعن أبي جعفر عليه السّلام إذا أراد المؤمن شيئا في الجنة فإنما دعواه أن يقول سبحانك اللهم فإذا قالها تبادرت إليه الخدم بما اشتهى من غير أن يكون طلبه منهم ، وأما قوله وحنانيك فقال ابن الأثير حنانيك يا رب أي ارحمني رحمة بعد رحمة ، وهو من المصادر المثناة التي لا تظهر فعلها كلبّيك وسعديك .